الرئيسيةإتصل بنافضل الدعوة إلى الله تعالى Emptyالتسجيلدخول

شاطر
 

 فضل الدعوة إلى الله تعالى

اذهب الى الأسفل 
كاتب الموضوعرسالة
سعد عنتر
Admin
سعد عنتر

ذكر
عدد المساهمات : 1368
نقاط : 3899
العمر : 28

فضل الدعوة إلى الله تعالى Empty
مُساهمةموضوع: فضل الدعوة إلى الله تعالى   فضل الدعوة إلى الله تعالى Icon_minitimeالخميس سبتمبر 09, 2010 3:09 am



فضل الدعوة إلى الله تعالى

الدعوة إلى الله تبارك وتعالى هي أعظم مهمات رسولنا صلى الله عليه وسلم ، وهي وسيلة وسبيل لتحقيق توحيد الله تعالى، قال سبحانه: ((قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي وَسُبْحَانَ اللَّهِ وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ)).

وقال سبحانه: ((يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِداً وَمُبَشِّراً وَنَذِيراً * وَدَاعِياً إِلَى اللَّهِ بِإِذْنِهِ وَسِرَاجاً مُنِيراً))[الأحزاب:45-46].

وقال سبحانه: ((ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ)) [النحل:125].

وقال تعالى: ((وَادْعُ إِلَى رَبِّكَ إِنَّكَ لَعَلَى هُدًى مُسْتَقِيمٍ)) [الحج:67].

وقال تعالى: ((وَادْعُ إِلَى رَبِّكَ وَلا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُشْرِكِينَ)) [القصص:87].

وقال عز من قائل: ((قُلْ إِنَّمَا أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ اللَّهَ وَلا أُشْرِكَ بِهِ إِلَيْهِ أَدْعُوا وَإِلَيْهِ مَآبِ)) [الرعد:36].

وهي الميزة التي فضّل الله تعالى بها هذه الأمة على سائر الأمم؛ فقال تعالى: ((كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ)) [آل عمران:110]، وقال تبارك وتعالى آمرًا بها وحاثًا عباده على القيام بها: ((وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ)) [آل عمران:104].

لذا كان الداعية إلى الله تعالى العامل بما يدعو إليه، من أحسن الناس قولًا، قال تعالى: ((وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلاً مِمَّنْ دَعَا إِلَى اللَّهِ وَعَمِلَ صَالِحاً وَقَالَ إِنَّنِي مِنْ الْمُسْلِمِينَ))[فصلت:33].

بل إن الداعية له أجره من الله الكريم، وله كذلك أجر من دعاهم إلى الله تعالى، قال صلى الله عليه وسلم: (من دعا إلى هدى كان له من الأجر مثل أجور من تبعه لا ينقص من أجورهم شيئًا)([1]).

والله سبحانه يحفظ أهل القرى من عذابه عامة بسبب وجود الدعاة المصلحين فيها، الذين يدعون إلى سبيل الله، قال تعالى: ((وَمَا كَانَ رَبُّكَ لِيُهْلِكَ الْقُرَى بِظُلْمٍ وَأَهْلُهَا مُصْلِحُونَ)) [هود:117].

والدعوة بحمد الله ونعمته غير محصورة بوقت ولا مكان ولا طريقة ما دام أنها وفق الشريعة، وغير مخالفة لطريقة النبي صلى الله عليه وسلم في الدعوة إلى الله.

فمن جهة الوقت: هذا نوح عليه الصلاة والسلام يدعو قومه في الليل والنهار: ((قَالَ رَبِّ إِنِّي دَعَوْتُ قَوْمِي لَيْلًا وَنَهَارًا)) [نوح:5].

ومن جهة المكان: هذا يوسف عليه السلام يدعو في السجن: ((يَا صَاحِبَيِ السِّجْنِ أَأَرْبَابٌ مُتَفَرِّقُونَ خَيْرٌ أَمِ اللَّهُ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ)) [يوسف:39].

ومن جهة الطريقة: هذا نوح أيضًا يدعو إلى الله ودينه بطرق متنوعة: ((ثُمَّ إِنِّي أَعْلَنتُ لَهُمْ وَأَسْرَرْتُ لَهُمْ إِسْرَارًا)) [نوح:9].

قال الشيخ عبد الرحمن السعدي رحمه الله: «لا يتم التوحيد حتى يكمل العبد جميع مراتبه، ثم يسعى في تكميل غيره، وهذا هو طريق جميع الأنبياء، فإنهم أول ما يدعون قومهم إلى عبادة الله وحده لا شريك له، وهي طريقة سيدهم وإمامهم صلى الله عليه وسلم، لأنه قام بهذه الدعوة أعظم قيام، ودعا إلى سبيل ربه بالحكمة والموعظة الحسنة، والمجادلة بالتي هي أحسن، لم يفتر، ولم يضعف، حتى أقام الله به الدين، وهدى به الخلق العظيم، ووصل دينه ببركة دعوته إلى مشارق الأرض ومغاربها، وكان يدعو بنفسه، ويأمر رسله وأتباعه أن يدعوا إلى الله وإلى توحيده قبل كل شيء؛ لأن جميع الأعمال متوقفة في صحتها وقبولها على التوحيد.

فكما أن على العبد أن يقوم بتوحيد الله، فعليه أن يدعو العباد إلى الله بالتي هي أحسن، وكل من اهتدى على يديه فله مثل أجورهم، من غير أن ينقص من أجورهم شيء.

وإذا كانت الدعوة إلى الله وإلى شهادة أن لا إله إلا الله فرضًا على كل أحد، كان الواجب على كل أحد بحسب مقدوره.

فعلى العالم من بيان ذلك والدعوة والإرشاد والهداية أعظم مما على غيره ممن ليس بعالم.

وعلى القادر ببدنه ويده، أو ماله، أو جاهه وقوله، أعظم مما على من ليست له تلك القدرة.

قال تعالى: ((فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ)) [التغابن:16]، ورحم الله من أعان على الدين ولو بشطر كلمة، وإنما الهلاك في ترك ما يقدر عليه العبد من الدعوة إلى هذا الدين»([2]).



الدعوة إلى الله أفضل مقامات العبد:

قال ابن القيم رحمه الله في كتابه مفتاح دار السعادة:

«الوجه الثلاثون بعد المائة: وهو قوله تعالى: ((وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلًا مِمَّنْ دَعَا إِلَى اللَّهِ وَعَمِلَ صَالِحًا وَقَالَ إِنَّنِي مِنَ الْمُسْلِمِينَ)) [فصلت:33] قال الحسن: (هو المؤمن أجاب الله في دعوته، ودعا الناس إلى ما أجاب الله فيه من دعوته، وعمل صالحًا في إجابته، فهذا حبيب الله، هذا ولي الله)، فمقام الدعوة إلى الله أفضل مقامات العبد، قال تعالى: ((لَمَّا قَامَ عَبْدُ اللَّهِ يَدْعُوهُ كَادُوا يَكُونُونَ عَلَيْهِ لِبَدًا)) [الجن:19]، وقال تعالى: ((ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ)) [النحل:125].

جعل سبحانه مراتب الدعوة بحسب مراتب الخلق، فالمستجيب القابل الذكي الذي لا يعاند الحق ولا يأباه يدعى بطريق الحكمة، والقابل الذي عنده نوع غفلة وتأخر يدعى بالموعظة الحسنة، وهي الأمر والنهي المقرون بالرغبة والرهبة، والمعاند الجاحد يجادل بالتي هي أحسن، هذا هو الصحيح في معنى هذه الآية... إلخ»([3]).



الدعوة إلى الله أعظم المراتب وأجلها عند الله:

يذكر الإمام ابن وضاح القرطبي رحمه الله في كتابه «البدع والنهي عنها» أن أسد بن موسى كتب إلى أسد بن الفرات فقال: (اعلم -أي أخي- أنما حملني على الكتاب إليك ما ذكر أهل بلادك من صالح ما أعطاك الله من إنصافك الناس، وحسن حالك مما أظهرت من السنة، وعيبك لأهل البدعة، وكثرة ذكرك لهم، وطعنك عليهم، فقمعهم الله بك، وشد بك ظهر أهل السنة، وقواك عليهم بإظهار عيبهم، والطعن عليهم، فأذلهم الله بذلك وصاروا ببدعتهم مستترين.

فأبشر -أي أخي- بثواب ذلك، واعتد به أفضل حسناتك، من الصلاة، والصيام، والحج، والجهاد.

وأين تقع هذه الأعمال من إقامة كتاب الله وإحياء سنة رسوله صلى الله عليه وسلم، وقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «من أحيا شيئًا من سنتي كنت أنا وهو في الجنة كهاتين وجمع بين أصبعين»، وقال صلى الله عليه وسلم: «أيما داع إلى هدى فاتبع عليه كان له مثل أجر من تبعه إلى يوم القيامة»، فمن يدرك أجر هذا بشيء من عمله؟!

وذكر أيضًا أن لله عند كل بدعة كيد بها الإسلام وليًا لله يذب عنها، وينطلق بعلاماتها.

فاغتنم -يا أخي- هذا الفضل، وكن من أهله؛ فإن النبي صلى الله عليه وسلم قال لمعاذ حين بعثه إلى اليمن، وأوصاه، وقال: «لأن يهدي الله بك رجلًا خير لك من كذا وكذا»)([4]).

وقال الإمام محمد بن عبد الوهاب رحمه الله: «...ويكون عندك معلومًا أن أعظم المراتب وأجلها عند الله الدعوة إليه، التي قال الله: ((وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلًا مِمَّنْ دَعَا إِلَى اللَّهِ وَعَمِلَ صَالِحًا وَقَالَ إِنَّنِي مِنَ الْمُسْلِمِينَ)) [فصلت:33] وفي الحديث: (والله لأن يهدي الله بك رجلًا واحدًا خير لك من حمر النعم)([5])»([6]).

وقال رحمه الله مبينًا أن الدعوة إلى الله ودينه الحق وسنة رسوله واجبة: «..ويجب علينا تعلم أربع مسائل، الأولى: العلم؛ وهو: معرفة الله، ومعرفة نبيه، ومعرفة دين الإسلام بالأدلة؛ الثانية: العمل به؛ الثالثة: الدعوة إليه؛ الرابعة: الصبر على الأذى فيه، والدليل قوله تعالى: ((وَالْعَصْرِ إِنَّ الإِنسَانَ لَفِي خُسْرٍ إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ)) [العصر:1-3] »([7]).

وقال الشيخ العلامة عبد الرحمن بن حسن رحمه الله([8]):

«...فإذا كان قد جرى في عهد النبوة من يطعن على رسول الله صلى الله عليه وسلم ويكفّر أصحابه، فلا يبعد أن يجيء في آخر هذه الأمة من يقول بقولهم، ويرى رأيهم؛ والذين هاجروا إلينا وبايعونا ما ندري عن حقيقة أمرهم؛ وعلى كل حال: إذا عملتم بالتوحيد، وأنكرتم الشرك والضلال، وفارقتم البدع، فلا يلزمكم هجرة عن الوطن والمال؛ بل يجب عليكم الدعوة إلى الله، وطلب أدلة التوحيد في كتاب الله، وتأمل كلام الشيخ في مصنفاته، فإنه رحمه الله بيَّن وحقّق، والسلام»([9]).

والدعوة إلى الله جهاد، وأكمل الخلق تكميلًا لمراتب الجهاد بفضل الله هو قدوتنا صلى الله عليه وسلم، يقول العلامة ابن القيم رحمه الله في كتابه زاد المعاد في هدي خير العباد:

«..فصل:

وأكمل الخلق عند الله من كمل مراتب الجهاد كلها، والخلق متفاوتون في منازلهم عند الله تفاوتهم في مراتب الجهاد، ولهذا كان أكمل الخلق وأكرمهم على الله خاتم أنبيائه ورسله؛ فإنه كمل مراتب الجهاد، وجاهد في الله حق جهاده، وشرع في الجهاد من حين بعث إلى أن توفاه الله عز وجل؛ فإنه لما نزل عليه: ((يَا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ * قُمْ فَأَنذِرْ * وَرَبَّكَ فَكَبِّرْ * وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ)) [المدثر:4] شمّر عن ساق الدعوة، وقام في ذات الله أتم قيام، ودعا إلى الله ليلًا ونهارًا، وسرًا وجهارًا، ولما نزل عليه: ((فَاصْدَعْ بِمَا تُؤْمَرُ)) [الحجر:94] فصدع بأمر الله لا تأخذه فيه لومة لائم، فدعا إلى الله الصغير والكبير، والحر والعبد، والذكر والأنثى، والأحمر والأسود، والجن والإنس.

ولما صدع بأمر الله، وصرَح لقومه بالدعوة، وناداهم بسب آلهتهم، وعيب دينهم؛ اشتد أذاهم له ولمن استجاب له من أصحابه، ونالوه ونالوهم بأنواع الأذى، وهذه سنة الله عز وجل في خلقه، كما قال تعالى: ((مَا يُقَالُ لَكَ إِلَّا مَا قَدْ قِيلَ لِلرُّسُلِ مِنْ قَبْلِكَ)) [فصلت:43]، وقال: ((وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا شَيَاطِينَ الإِنسِ وَالْجِنِّ)) [الأنعام:112]، وقال: ((كَذَلِكَ مَا أَتَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا قَالُوا سَاحِرٌ أَوْ مَجْنُونٌ أَتَوَاصَوْا بِهِ بَلْ هُمْ قَوْمٌ طَاغُونَ)) [الذاريات:52] ».

إلى أن قال:

«فمن آمن بالرسل وأطاعهم، عاداه أعداؤهم وآذوه، فابتلي بما يؤلمه. وإن لم يؤمن بهم ولم يطعهم، عوقب في الدنيا والآخرة، فحصل له ما يؤلمه، وكان هذا المؤلم له أعظم ألمًا وأدوم من ألم اتباعهم، فلابد من حصول الألم لكل نفس آمنت أو رغبت عن الإيمان، لكن المؤمن يحصل له الألم في الدنيا ابتداء، ثم تكون له العاقبة في الدنيا والآخرة، والمعرض عن الإيمان تحصل له اللذة ابتداء، ثم يصير إلى الألم الدائم. وسئل الشافعي رحمه الله: أيما أفضل للرجل، أن يمكّن أو يبتلى؟ فقال: (لا يمكّن حتى يبتلى). والله تعالى ابتلى أولي العزم من الرسل، فلما صبروا مكّنهم، فلا يظن أحد أنه يخلص من الألم ألبتة، وإنما يتفاوت أهل الآلام في العقول، فأعقلهم من باع ألمًا مستمرًا عظيمًا بألم منقطع يسير، وأشقاهم من باع الألم المنقطع اليسير بالألم العظيم المستمر.

فإن قيل: كيف يختار العاقل هذا؟ قيل: الحامل له على هذا النقد والنسيئة.

والنفس موكلة بحب العاجل.. ((كَلَّا بَلْ تُحِبُّونَ الْعَاجِلَةَ * وَتَذَرُونَ الآخِرَةَ)) [القيامة:20]، ((إِنَّ هَؤُلاءِ يُحِبُّونَ الْعَاجِلَةَ وَيَذَرُونَ وَرَاءَهُمْ يَوْمًا ثَقِيلًا)) [الإنسان:27]. وهذا يحصل لكل أحد، فإن الإنسان مدني بالطبع، لا بد له أن يعيش مع الناس، والناس لهم إرادات وتصورات، فيطلبون منه أن يوافقهم عليها، فإن لم يوافقهم، آذوه وعذبوه، وإن وافقهم حصل له الأذى والعذاب، تارة منهم، وتارة من غيرهم، كمن عنده دين وتقى حل بين قوم فجار ظلمة، ولا يتمكنون من فجورهم وظلمهم إلا بموافقته لهم، أو سكوته عنهم، فإن وافقهم، أو سكت عنهم، سلم من شرهم في الابتداء، ثم يتسلطون عليه بالإهانة والأذى أضعاف ما كان يخافه ابتداء لو أنكر عليهم وخالفهم، وإن سلم منهم، فلا بد أن يهان ويعاقب على يد غيرهم، فالحزم كل الحزم في الأخذ بما قالت عائشة أم المؤمنين لمعاوية: (من أرضى الله بسخط الناس كفاه الله مؤنة الناس، ومن أرضى الناس بسخط الله لم يغنوا عنه من الله شيئًا).

ومن تأمل أحوال العالم، رأى هذا كثيرًا فيمن يعين الرؤساء على أغراضهم الفاسدة، وفيمن يعين أهل البدع على بدعهم هربًا من عقوبتهم، فمن هداه الله وألهمه رشده، ووقاه شر نفسه، امتنع من الموافقة على فعل المحرم، وصبر على عدوانهم، ثم تكون له العاقبة في الدنيا والآخرة، كما كانت للرسل وأتباعهم، كالمهاجرين والأنصار، ومن ابتلي من العلماء، والعباد، وصالحي الولاة، والتجار، وغيرهم.

ولما كان الألم لا محيص منه ألبتة، عزّى الله سبحانه من اختار الألم اليسير المنقطع على الألم العظيم المستمر بقوله: ((مَنْ كَانَ يَرْجُوا لِقَاءَ اللَّهِ فَإِنَّ أَجَلَ اللَّهِ لَآتٍ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ)) [العنكبوت:5]. فضرب لمدة هذا الألم أجلًا، لابد أن يأتي، وهو يوم لقائه، فيلتذ العبد أعظم اللذة بما تحمَّل من الألم من أجله، وفي مرضاته، وتكون لذته وسروره وابتهاجه بقدر ما تحمل من الألم في الله ولله، وأكد هذا العزاء والتسلية برجاء لقائه، ليحمل العبد اشتياقه إلى لقاء ربه ووليه على تحمل مشقة الألم العاجل...»([10]).

وقال أيضًا هذا الإمام الرباني رحمه الله:

«فصل: الموطن الثالث والعشرون من مواطن الصلاة عليه صلى الله عليه وسلم: عند تبليغ العلم إلى الناس... لأنه موطن لتبليغ العلم الذي جاء به ونشره في أمته، وإلقائه إليهم، ودعوتهم إلى سننه وطريقته صلى الله عليه وسلم، وهذا من أفضل الأعمال وأعظمها نفعًا للعبد في الدنيا والآخرة.

قال تعالى: ((وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلًا مِمَّنْ دَعَا إِلَى اللَّهِ وَعَمِلَ صَالِحًا وَقَالَ إِنَّنِي مِنَ الْمُسْلِمِينَ)) [فصلت:33]، وقال تعالى: ((قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُوا إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي)) [يوسف:108]، وسواء كان المعنى أنا ومن اتبعني يدعو إلى الله على بصيرة، أو كان الوقف عند قوله: ((أَدْعُوا إِلَى اللَّهِ)) [يوسف:108] ثم يبتدئ: ((عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي)) [يوسف:108] فالقولان متلازمان؛ فإنه أمره سبحانه أن يخبر أن سبيله الدعوة إلى الله، فمن دعا إلى الله تعالى فهو على سبيل رسوله صلى الله عليه وسلم، وهو على بصيرة، وهو من أتباعه، ومن دعا إلى غير ذلك فليس على سبيله، ولا هو على بصيرة، ولا هو من أتباعه.

فالدعوة إلى الله تعالى هي وظيفة المرسلين وأتباعهم، وهم خلفاء الرسل في أممهم، والناس تبع لهم، والله سبحانه قد أمر رسوله أن يبلغ ما أنزل إليه، وضمن له حفظه وعصمته من الناس، وهكذا المبلغون عنه من أمته لهم من حفظ الله وعصمته إياهم بحسب قيامهم بدينه وتبليغهم له، وقد أمر النبي صلى الله عليه وسلم بالتبليغ عنه ولو آية، ودعا لمن بلغ عنه ولو حديثًا. وتبليغ سنته إلى الأمة أفضل من تبليغ السهام إلى نحور العدو؛ لأن ذلك التبليغ يفعله كثير من الناس، وأما تبليغ السنن فلا تقوم به إلا ورثة الأنبياء وخلفاؤهم في أممهم، جعلنا الله تعالى منهم بمنه وكرمه»([11]).

والدعوة إلى السنة أمر بالمعروف، وإنكار البدعة نهي عن المنكر، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر صمام أمان الشريعة، وبهما يحفظ الدين، وتستقيم العقائد والعبادات.

وللآمر بالمعروف والناهي عن المنكر شروط يجب أن تتوافر فيه، فيكون أمره بالمعروف معروفًا ونهيه عن المنكر كذلك.

قال شيخ الإسلام وشامة الشام ابن تيمية رحمه الله:

«...ولهذا قيل: (ليكن أمرك بالمعروف بالمعروف، ونهيك عن المنكر غير منكر) وإذا كان الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر من أعظم الواجبات أو المستحبات، فالواجبات والمستحبات لا بد أن تكون المصلحة فيها راجحة على المفسدة؛ إذ بهذا بعثت الرسل وأنزلت الكتب، والله لا يحب الفساد، بل كل ما أمر الله به فهو صلاح، وقد أثنى الله على الصلاح والمصلحين والذين آمنوا وعملوا الصالحات، وذم الفساد والمفسدين في غير موضع، فحيث كانت مفسدة الأمر والنهي أعظم من مصلحته، لم يكن مما أمر الله به، وإن كان قد تُرك واجب وفُعل محرم؛ إذ المؤمن عليه أن يتقي الله في عباد الله وليس عليه هداهم، وهذا من معنى قوله: ((يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا عَلَيْكُمْ أَنفُسَكُمْ لا يَضُرُّكُمْ مَنْ ضَلَّ إِذَا اهْتَدَيْتُمْ)) [المائدة:105].

والاهتداء إنما يتم بأداء الواجب، فإذا قام المسلم بما يجب عليه من الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر كما قام بغيره من الواجبات؛ لم يضره ضلال الضال، وذلك يكون تارة بالقلب، وتارة باللسان، وتارة باليد. فأما القلب فيجب بكل حال؛ إذ لا ضرر في فعله، ومن لم يفعله فليس هو بمؤمن، كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: (وذلك أدنى أو أضعف الإيمان)([12])، وقال: (ليس وراء ذلك من الإيمان حبة خردل)([13])، وقيل لحذيفة رضي الله عنه: (من ميت الأحياء؟ فقال: الذي لا يعرف معروفًا ولا ينكر منكرًا)([14])، وهذا هو المفتون الموصوف بأن قلبه كالكوز مجخيًا في حديث حذيفة بن اليمان رضي الله عنه في الصحيحين: (تعرض الفتن على القلوب عرض الحصير...)([15]) الحديث، وهنا يغلط فريقان من الناس: فريق يترك ما يجب من الأمر والنهي تأويلًا لهذه الآية، كما قال أبو بكر الصديق رضي الله عنه في خطبته: (أيها الناس! إنكم تقرءون هذه الآية: ((عَلَيْكُمْ أَنفُسَكُمْ لا يَضُرُّكُمْ مَنْ ضَلَّ إِذَا اهْتَدَيْتُمْ)) [المائدة:105] وإنكم تضعونها في غير موضعها، وإني سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول: إن الناس إذا رأوا المنكر فلم يغيروه أوشك أن يعمهم الله بعقاب منه)([16])...»([17]).

وقال رحمه الله:

«...ومن الأمر بالمعروف كذلك الأمر بالائتلاف والاجتماع، والنهي عن الاختلاف والفرقة وغير ذلك، وأما المنكر الذي نهى الله عنه ورسوله فأعظمه الشرك بالله، وهو أن يدعو مع الله إلهًا آخر كالشمس والقمر والكواكب، أو كملك من الملائكة، أو نبي من الأنبياء، أو رجل من الصالحين، أو أحد من الجن، أو تماثيل هؤلاء أو قبورهم، أو غير ذلك مما يدعى من دون الله تعالى أو يستغاث به أو يسجد له، فكل هذا وأشباهه من الشرك الذي حرمه الله على لسان جميع رسله.

ومن المنكر؛ كل ما حرمه الله؛ كقتل النفس بغير الحق، وأكل أموال الناس بالباطل، بالغصب أو بالربا أو الميسر، والبيوع والمعاملات التي نهى عنها رسول الله صلى الله عليه وسلم، وكذلك قطيعة الرحم، وعقوق الوالدين، وتطفيف المكيال والميزان، والإثم والبغي، وكذلك العبادات المبتدعة التي لم يشرعها الله ورسوله صلى الله عليه وسلم.. وغير ذلك، والرفق سبيل الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر»([18]).

ويؤكد العلامة ابن القيم رحمه الله أن من أسباب فشو البدعة تقصير أهل الحق في إظهار السنة والهدى، فقال: «...ما وقع في هذه الأمة من البدع والضلال كان من أسبابه: التقصير في إظهار السنة والهدى»([19]).

وهكذا بدعوة المخالفين لأهل السنة تظهر السنة وتموت البدعة، ويوقى العامة شرها، ويظهر ضعف حجة المخالف، ويذب عن حياض الدين، وينكشف ما يلبسه المخالفون على العامة، وبهذا يجتمع الناس على الهدى والاعتصام بحبل الله.. وهو المقصد الشرعي العظيم من دعوة المخالفين لأهل السنة والجماعة من أهل البدع.

([1]) مسلم (4/2060)، (2674)، الترمذي (5/43) (2674)، أبو داود (2/612) (4609).

([2]) القول السديد (ص:32-33).

([3]) مفتاح دار السعادة (1/153).

([4]) البدع والنهي عنها (ص:28-30).

([5]) البخاري (3/1077، 1357) (4/1542) (2783) (3498) (3973)، مسلم (4/1872) (2406).

([6]) الدرر السنية من الأجوبة النجدية (1/63).

([7]) الدرر السنية من الأجوبة النجدية (1/125)

([8]) الشيخ عبد الرحمن بن حسن بن محمد بن عبد الوهاب رحمهم الله، حفيد الإمام محمد بن عبد الوهاب رحمه الله، ولد سنة (1192)هـ في الدرعية، وتوفي بالرياض سنة (1285)هـ. له مؤلفات ورسائل، من أشهرها (فتح المجيد شرح كتاب التوحيد).

([9]) الدرر السنية من الأجوبة النجدية (3/226)

([10]) زاد المعاد في هدي خير العباد (3/12-16).

([11]) جلاء الأفهام (ص:414-415).

([12]) مسلم (1/69) (49)، أبو داود (1/366) (1140)، الترمذي (4/469) (2172) ابن ماجة (1265) (403).

([13]) صحيح ابن حبان (14/72).

([14]) مصنف ابن أبي شيبة (7/504).

([15]) مسلم (1/128) (144).

([16]) أبو داود (2/525) (4338)، الترمذي (4/467) (5/256) (2168) (3057).

([17]) الاستقامة (2/211-213).

([18]) الاستقامة (2/210).

([19]) الصواعق المرسلة (3/1133).





فضل الدعوة إلى الله تعالى Mmgoj3elxdk1zzzoyyd2
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
https://awttany.ahlamontada.com
 
فضل الدعوة إلى الله تعالى
الرجوع الى أعلى الصفحة 
صفحة 1 من اصل 1

صلاحيات هذا المنتدى:لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى
 :: القسم الدعوى :: الدعوة إلى الله-
انتقل الى: