الرئيسيةإتصل بناالتسجيلدخول

شاطر
 

 الوسائل المعينة على دعوة المخالفين

اذهب الى الأسفل 
كاتب الموضوعرسالة
سعد عنتر
Admin
سعد عنتر

ذكر
عدد المساهمات : 1368
نقاط : 3899
العمر : 28

الوسائل المعينة على دعوة المخالفين Empty
مُساهمةموضوع: الوسائل المعينة على دعوة المخالفين   الوسائل المعينة على دعوة المخالفين Icon_minitimeالخميس سبتمبر 09, 2010 3:16 am



الوسائل المعينة على دعوة المخالفين

سأشير هنا فقط إشارات إلى بعض الوسائل المعينة في دعوة المخالفين، وقد استقيتها من كتاب الله سبحانه وتعالى وسنة رسوله عليه الصلاة والسلام، ومن كلام أهل العلم، وهي أيضًا من واقع وتجارب شتى آتت ثمارها، فنسأل الله التوفيق والسداد:

أولاً: إعطاؤهم حقوقهم والإقرار لهم بها:

فقد شرع الإسلام حقوقًا للمسلمين، تُعطى لكل مسلم، وإن كان فاسقًا أو مبتدعًا بدعة غير مكفرة، ومن وسائل دعوة المخالفين الإقرار لهم بهذه الحقوق وإعطاؤهم إياها؛ فإن هذا مما يجذبهم ويقربهم، ومن أهم تلك الحقوق:

1- لزوم أمر المخالف بالمعروف ونهيه عن المنكر، وإرشاده إلى الحق، وإبلاغه الحجة، وتفهيمه إياها بالحسنى والحكمة.

وقد حوت صفحات هذا الكتاب كثيرًا من الأدلة والبراهين على هذا الحق، ومما يذكر أيضًا هنا ما قام به أئمة أهل السنة والجماعة من دعوة للمخالفين وإرشادهم إلى منهج الحق والصواب.

ومما يؤيد ذلك ما قام به الخليفة الراشد علي بن أبي طالب رضي الله عنه عندما بعث عبد الله بن عباس رضي الله عنهما إلى الخوارج لدعوتهم وإقامة الحجة عليهم، قال ابن عباس رضي الله عنهما: (فدخلت على قوم لم أر قومًا أشد اجتهادًا منهم، أيديهم كأنها ثفن الإبل، ووجوههم معلنة من آثار السجود، فدخلت فقالوا: مرحبًا بك يا بن عباس، لا تحدثوه.

وقال بعضهم: لنحدثنه.

قال: قلت: أخبروني ما تنقمون على ابن عم رسول الله ص وختنه وأول من آمن به، وأصحاب رسول الله ص معه؟

قالوا: ننقم عليه ثلاثًا.

فقلت: ما هن؟

قالوا: حكَّم الرجال في دين الله، وقال: ((إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ)) [الأنعام:57]!

قال: قلت: هذه واحدة، وماذا أيضًا؟

قالوا: فإنه قاتل ولم يَسْبِ ولم يغنم، فلئن كانوا مؤمنين ما حلّ قتالهم، ولئن كانوا كافرين لقد حلّ قتالهم وسبيهم!

قال: قلت: وماذا أيضًا؟

قالوا: ومحا نفسه من أمير المؤمنين، فلئن لم يكن أمير المؤمنين فهو أمير الكافرين!

قال: قلت: أرأيتكم إن أتيتكم من كتاب الله وسنة رسوله ما ينقض قولكم هذا أترجعون؟

قالوا: وما لنا لا نرجع؟!

قال: أمَّا حكَّم الرجال في أمر الله؛ فإن الله تعالى قال في كتابه: ((يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَقْتُلُوا الصَّيْدَ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ وَمَنْ قَتَلَهُ مِنْكُمْ مُتَعَمِّدًا فَجَزَاءٌ مِثْلُ مَا قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ يَحْكُمُ بِهِ ذَوَا عَدْلٍ مِنْكُمْ)) [المائدة:95]، وقال في المرأة وزوجها: ((وَإِنْ خِفْتُمْ شِقَاقَ بَيْنِهِمَا فَابْعَثُوا حَكَمًا مِنْ أَهْلِهِ وَحَكَمًا مِنْ أَهْلِهَا)) [النساء:35]، وصيَّر الله ذلك إلى حكم الرجال، فناشدتكم الله أتعلمون حكم الرجال في دماء المسلمين وإصلاح ذات بينهم أفضل أو حكم أرنب ثمنه ربع درهم، وفي بضع امرأة؟

قالوا: على هذا أفضل.

قال: أخرجت من هذه؟

قالوا: نعم.

قال: فأما قولكم: قاتل ولم يسب ولم يغنم، أَتَسْبُون أمكم عائشة؟ فإن قلتم: نسبيها فنستحل منها ما نستحل من غيرها فقد كفرتم، وإن قلتم ليست بأمنا فقد كفرتم، فأنتم تترددون بين ضلالتين. أخرجت من هذه؟

قالوا: بلى.

قال: وأما قولكم: محا نفسه من إمرة المؤمنين، فأنا آتيكم بمن ترضون، إن نبي الله يوم الحديبية حين صالح أبا سفيان وسهيل بن عمرو، وقال رسول الله ص: (اكتب يا علي: هذا ما صالح عليه محمد رسول الله. فقال أبو سفيان وسهيل بن عمرو: وما نعلم أنك رسول الله، لو نعلم أنك رسول الله ما قاتلناك. فقال: اللهم إنك تعلم أني رسولك، امح يا علي، واكتب: هذا ما اصطلح عليه محمد بن عبد الله وأبو سفيان وسهيل بن عمرو).

ورسول الله ص أفضل من علي. أخرجت من هذه؟

قالوا: اللهم نعم)([1]).

وبعد هذه المحاورة المقنعة التي استعمل فيها عبد الله بن عباس الأدلة المقنعة من كتاب الله وسنة رسوله ص وعبارات بعيدة عن الغلظة والشدة، مع حرص على هدايتهم، كانت النتيجة أن رجع منهم ألفان، وقيل: أربعة آلاف، وقيل: عشرون ألفًا.

ومن ذلك أيضًا ما قام به الإمام أحمد رحمه الله من دعوة للمخالفين وإرشاد لهم، ومن ذلك إرشاده لموسى بن حزام، الذي كان ينتحل الإرجاء، فاهتدى إلى منهج أهل السنة والجماعة وذب عنها ولزمها حتى مات([2]).

ومما يدل على هذا أيضًا ما قرّره الفقهاء في حالة خروج طائفة من المسلمين بتأويل محتمل، وقامت بتنصيب إمام، وامتنعت عن طاعة إمام العدل أنَّ على الإمام أن يبعث إليهم فيسألهم: ما تنقمون؟ فإن ذكروا مظلمة أزالها عنهم، وإن لم يذكروا مظلمة بيّنة دعاهم إلى طاعته، فإن امتنعوا فإنه يدعوهم إلى المناظرة، فإن امتنعوا عن المناظرة أو ناظروا وظهرت الحجة عليهم فأصروا على بغيهم يقاتلهم الإمام حتى يفيئوا إلى طاعته([3]).

وهكذا دأب أهل السنة والجماعة على إقامة الحجة على المخالفين من خلال أمرهم بالمعروف ونهيهم عن المنكر ومناظرتهم، ومن أشهر هذه المناظرات، مناظرة عبد العزيز الكناني لبشر المريسي، ذلك أنه لما انتشر في بغداد عاصمة الخلافة العباسية القول بخلق القرآن، وعَظُمَ أمر البدعة فيها، وعلى رأسهم بشر المريسي، تحرك عبد العزيز الكناني من بلاده مكة وتوجه إلى بغداد؛ لمناظرته، وإقامة الحجة عليه.

وقد أورد ابن الوزير رحمه الله هذه المسألة حينما قال: «فإن قيل: هل السكوت عن المبتدعة لازم، خوفًا من التفرق؟

قلنا: أما بيان بدعهم وكفُّ شرهم على الوجه المشروع فواجب ومستحب، وأما المراء الذي يظن فيه المفسدة دون المصلحة فلا خير منه»([4]).

2- الإقرار له بالإسلام.

وهذا إذا كانت المخالفة غير مكفِّرة، وإذا كان المخالف جاهلًا أو متأولًا تأويلًا سائغًا، فقد مضى أن هؤلاء يعذرون ولا يكفرون، ويلزم على هذا الإقرار لهم بالإسلام فهم مسلمون، وإن كانت فيهم بدعة، وهم أقرب إلى المسلمين من الكفار واليهود والنصارى، وهذا ما أشار إليه شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله إذ يقول: «كل من كان مؤمنًا بما جاء به محمد ص فهو خير من كل من كفر به، وإن كان في المؤمن بذلك نوع من البدعة، سواء كانت بدعة الخوارج والشيعة والمرجئة والقدرية أو غيرهم، فإن اليهودَ والنصارى كفارٌ كفرًا معلومًا بالاضطرار من دين الإسلام، والمبتدع إذا كان يحسب أنه موافق للرسول ص لا مخالف له لم يكن كافرًا به، ولو قدر أنه كفر فليس كفره مثل كفر من كذَّب الرسول ص »([5]).

ويعقب الشيخ محمد عبد الهادي المصري على ذلك بقوله: «وأهل السنة والجماعة يفرقون بين المبتدعة من أهل القبلة مهما كان حجم بدعتهم، وبين من علم كفره بالاضطرار من دين الإسلام كالمشركين، وأهل الكتاب، وهذا في الحكم الظاهر على العموم، مع علمهم أن كثيرًا منهم منافقون وزنادقة في الباطن»([6]).

ومن الأدلة على الإقرار للمخالفين بالإسلام أن علي بن أبي طالب ومن معه من الصحابة رضوان الله عليهم أجمعين لم يكفروا الخوارج وأقروا لهم بالإسلام، وعاملوهم معاملة المسلمين.

3- عدم ظلمهم.

وهذا حق من حقوق المسلم على أخيه، فإذا كان الإسلام ينهى ويحرم ظلم اليهود والنصارى من أهل الذمة، فمن باب أولى عدم ظلم المسلم الذي لم يخرج ببدعته من الإسلام، ونصره على من يظلمه، والدفاع عنه، وفي هذا المعنى يقول شيخ الإسلام رحمه الله وهو ينهى عن إيذاء المخالفين له، ويدعو إلى إكرامهم ونصرتهم: «وإني لا أحب أن يؤذى أحد من عموم المسلمين- فضلًا عن أصحابنا- بشيء أصلًا، لا باطنًا ولا ظاهرًا، ولا عندي عتب على أحد منهم، ولا لوم أصلًا، بل لهم عندي من الكرامة والإجلال والمحبة والتعظيم أضعاف أضعاف ما كان، كل بحسبه، ولا يخلو الرجل: إما أن يكون مجتهدًا مصيبًا أو مخطئًا، أو مذنبًا، فالأول مشكور، والثاني مع أجره على الاجتهاد فمعفو عنه مغفور له، والثالث فالله يغفر لنا وله ولسائر المؤمنين... وتعلمون أنا جميعًا متعاونون على البر والتقوى، واجب علينا نصر بعضنا البعض أعظم مما كان وأشد... وأنا أحب الخير لكل المسلمين، وأريد لكل مؤمن من الخير ما أحبه لنفسي... وأهل القصد الصالح يشكرون على قصدهم، وأهل العمل الصالح يشكرون على عملهم، وأهل السيئات نسأل الله أن يتوب عليهم»([7]).

وقد ظهر موقف الشيخ عليه رحمة الله في تعامله مع المخالفين في زمنه، ومن ذلك أن السلطان محمد قلاوون كان مقرِّبًا لشيخ الإسلام ومحبًا له، وفي إحدى السنين خرج السلطان للحج، فأخذ السلطنة الملك المظفر ركن الدين بيبرس تلميذ الصوفي نصر المنبجي، وكان نصر هذا معاديًا لشيخ الإسلام، ومن أتباع ابن عربي الصوفي، وسبب العداء أن شيخ الإسلام كان يبين ضلال ابن عربي.

فلما تولى بيبرس سعى بعض علماء المبتدعة لاستصدار فتوى بقتل شيخ الإسلام ابن تيمية، لكن ما لبث أن عاد السلطان محمد قلاوون، واستعاد الملك من بيبرس، فقرَّب شيخ الإسلام، ثم أخرج له فتوى أولئك بقتله؛ لأنه كان حانقًا عليهم، قال شيخ الإسلام رحمه الله: «ففهمت مقصوده، وأنَّ عنده حنقًا شديدًا عليهم لمَّا خلعوه وبايعوا الملك المظفر ركن الدين بيبرس، فشرعت في مدحهم والثناء عليهم وشكرهم، وأن هؤلاء لو ذهبوا لم تجد مثلهم في دولتك، أما أنا فهم في حلٍّ من حقي ومن جهتي»([8]).

فكان القاضي زين الدين ابن مخلوف قاضي المالكية يقول بعد ذلك: «ما رأينا أتقى من ابن تيمية، لم نُبقِ ممكنًا في السعي فيه، ولما قدر علينا عفا عنا»([9]).

ومثال آخر على تعامل شيخ الإسلام مع المخالفين، ففي مرة اعتدى أهل البدعة على الشيخ فضربوه، ولما علم تلامذته ومحبّوه جاءوا إليه مسرعين، فأرادوا أن يثأروا للشيخ، فمنعهم الشيخ، وقال: «هذا لا يحل. فقالوا: هذا شيء لا نصبر عليه. قال لهم الشيخ: إما أن يكون الحق لي، أو لكم، أو لله، فإن كان الحق لي فهم في حل منه، وإن كان لكم فإن لم تسمعوا مني وتستفتنوني فافعلوا ما شئتم، وإن كان الحق لله إنه يأخذ حقه إن شاء كما شاء.

فقالوا له: هذا الذي فعلوه معك هو حلال لهم؟

قال: هذا الذي فعلوه قد يكونون مثابين عليه مأجورين فيه.

قالوا: فتكون أنت على الباطل وهم على الحق؟

فإذا كنت تقول أنهم مأجورون فاسمع منهم ووافقهم على قولهم.

فقال لهم: ما الأمر كما تزعمون؛ فإنهم قد يكونون مجتهدين مخطئين، ففعلوا ذلك باجتهادهم، والمجتهد المخطئ له أجر»([10]).

4- قبول كلام المخالف إن كان حقًا وموافقًا للشرع.

فإن أهل السنة والجماعة يقبلون الحق من كل من جاء به، وفي ذلك يقول معاذ بن جبل رضي الله عنه: (تلقَّ الحق إذا سمعته؛ فإن على الحق نورًا)([11]).

وقال ابن تيمية رحمه الله: «والله أمرنا أن لا نقول إلا الحق، وأن لا نقول عليه إلا بعلم، وأمرنا بالعدل والقسط، فلا يجوز لنا إذا قال يهودي أو نصراني- فضلًا عن الرافضي- قولًا فيه حق أن نتركه أو نرده كله، بل لا نرد إلا ما فيه من الباطل دون ما فيه من الحق»([12]).

وقال ابن القيم رحمه الله: «اقبل الحق ممن قاله وإن كان بغيضًا، ورد الباطل على من قاله وإن كان حبيبًا»([13]).

وقرر أنه لا يردُّ كل قول من أخطأ جملة، بل لا بد من تمييز الحق من الباطل، فقال: «فلو كان كل من أخطأ أو غلط ترك جملة، وأهدرت محاسنه، لفسدت العلوم والصناعات»([14]).

وقال أيضًا: «.. فإن كل طائفة معها حق وباطل، فالواجب موافقتهم فيما قالوه من الحق، ورد ما قالوه من الباطل، ومن فتح الله له بهذه الطريق فقد فتح له من العلم والدين كل باب، ويسر عليه من الأسباب»([15]).

ونجد أن الرسول ص وهو قدوتنا في هذا الأمر، قبل الحق من اليهودي، حيث روت قتيلة بنت صيفي الجهنية قالت: (أتى حَبْر من الأحبار رسول الله ص، فقال: يا محمد، نعم القوم أنتم، لولا أنكم تشركون.

فقال رسول الله ص: سبحان الله! وما ذاك؟!

قال: تقولون إذا حلفتم: والكعبة.

قالت: فأمهل رسول الله ص شيئًا، ثم قال: إنه قد قال، فمن حلف فليحلف بربِّ الكعبة.

قال: يا محمد، نعم القوم أنتم، لولا أنكم تجعلون لله نِدًَّا.

قال: سبحان الله! وما ذاك؟!

قال: تقولون: ما شاء الله وشئت.

قال: فأمهل رسول الله ص شيئًا، ثم قال: إنه قد قال، فمن قال: ما شاء الله، فليفصل بينهما ثم شئت)([16]).

يقول الشيخ عبد الرحمن السعدي رحمه الله: «بل كما تشهدون لوليكم فاشهدوا عليه، وكما تشهدون على عدوكم فاشهدوا له، فلو كان كافرًا أو مبتدعًا فإنه يجب العدل فيه، وقبول ما يأتي به من الحق، لا لأنه قاله، ولا يرد الحق لأجل قوله؛ فإن هذا ظلم للحق»([17]).

وهنا لا بد من الإشارة إلى أن من ليست لديه قدرة على تمييز الحق أو الباطل من كلام المخالفين ينهى عن قراءة كتبهم أو سماع مقالتهم، حتى لا يشتبه عليه الحق بالباطل والبدعة بالسنَّة.

5- الدعاء لهم بالهداية، والصلاة على موتاهم.

يقرر شيخ الإسلام جواز الصلاة على المبتدعة ممن لا يكفر ببدعته ولا يخرج من الإسلام، فقال وهو يتحدث عن صلاة النبي ص على المنافقين قبل أن ينهى: «...فكان ذلك دليلًا على أن كل من لم يعلم أنه كافر في الباطن جازت الصلاة عليه والاستغفار له، وإن كانت فيه بدعة، وإن كانت له ذنوب، وإذا ترك الإمام وأهل العلم والدين الصلاة على بعض المتظاهرين ببدعة أو فجور زجرًا عنها لم يكن ذلك محرِّمًا للصلاة عليه والاستغفار له»([18]).

ثم استشهد بأن الإمام أحمد رغم ما لاقاه من ظلم الجهمية، القائلين بخلق القرآن، وحبسه، وتعذيبه، إلا أنه دعا للخليفة وغيره ممن ضربه، وحبسه، واستغفر لهم، وحللهم مما فعلوه به من الظلم، ولو كانوا مرتدين عن الإسلام لم يجز الاستغفار لهم؛ فإن الاستغفار للكفار لا يجوز بالكتاب والسنة والإجماع([19]).

وحينما كتب شيخ الإسلام كتابًا إلى الشيخ نصر المنبجي أكثر فيه من الدعاء والثناء عليه، فجاء فيه: «من أحمد ابن تيمية إلى الشيخ، العارف، القدوة، السالك، أبي الفتح نصر، فتح الله على باطنه، وظاهره ما فتح به على قلوب أوليائه، ونصره على شياطين الإنس والجن في جهره وخفائه، ونهج به الطريقة المحمدية الموافقة لشريعته»، ثم يمضي شيخ الإسلام في الدعاء والثناء فيقول: «فالشيخ أحسن الله إليه قد جعل فيه من النور والمعرفة الذي هو أصل المحبة والإرادة...»([20]).

وكان هذا الثناء والدعاء مقدمة طيبة لبيان خطأ الصوفية القائلين بالاتحاد والحلول، وبيان بطلان ذلك، كل ذلك في عبارة ليِّنة، وبراهين ساطعة، مبتعدًا عن أساليب الإثارة، مهتديًا بقوله تعالى: ((فَقُولا لَهُ قَوْلًا لَيِّنًا لَعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَى)) [طه:44].

ويستنبط الشيخ محمد عبد الهادي المصري هذه القاعدة من كلام شيخ الإسلام ابن تيمية وكلام أهل السنة والجماعة فيقول: «أهل السنة والجماعة يدعون لأهل البدع بالهداية ما لم يعلم كفرهم»([21]).

6- التعاون معهم وفق منهج أهل السنة والجماعة.

والمراد هنا التعاون مع المخالفين الذين لم يخرجوا من الإسلام، وهناك ضوابط تضبط هذا التعاون حتى لا يتهاون متهاون أو يفرط أحد، وهذه الضوابط كالتالي([22]):

أ) أن يكون التعاون مع المخالف في المجالات التي لا خلاف فيها، أي في دائرة الحق الذي يقبله الشرع، والخير الذي يحبه الله من علم وجهاد ودعوة، كما قال ابن القيم رحمه الله: «..فإن كل طائفة معها حق وباطل، فالواجب موافقتهم فيما قالوه من الحق ورد ما قالوه من الباطل، ومن فتح الله له هذه الطريق فقد فتح له من العلم والدين كل باب، ويسَّر عليه من الأسباب»([23]).

ب) مراعاة المصلحة والمفسدة عند التعاون مع المخالف.

فإذا كان التعاون مع المخالف يؤدي إلى حصول مصلحة أعظم من مفسدة بدعته، أو درء مفسدة أكبر من مضرة بدعته تعيّن التعاون معه، كما قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله: «.. فإذا تعذَّر إقامة الواجبات من العلم والجهاد وغير ذلك إلا بمن فيه بدعة مضرتها دون مضرة ترك ذلك الواجب كان تحصيل مصلحة الواجب مع مفسدة مرجوحة معه خيرًا من العكس»([24]).

ج) ألا يتخذ المخالف هذه المعاونة ذريعة لنشر بدعته، أو يؤدي إلى رجحان قوته على قوة أهل السنة والجماعة.

د) مراعاة ضوابط الهجر، المتقدم ذكرها، مع ضوابط التعاون هذه.

ولا يظن ظانٌ أن في إقرار التعامل مع المخالفين الذين لم يخرجوا من الإسلام، أن في ذلك إقرارًا على بدعتهم أو تفضيلًا لهم، وإنما بيان لمنهج الإنصاف والعدل عند أهل السنة والجماعة، وإيضاح لهذه الطريقة الشرعية للتعامل مع المخالفين التي يتحقق بها الاجتماع على الحق والاتباع للشرع، مع درء البدع وإغلاق المنافذ أمامهم، وتأليف قلوب المخالفين وبذل النصيحة لهم.

ثانيًا: الحوار والمناظرة والجدل:

ورد في القرآن الكريم مصطلح الجدل ومرادفاته كالمراء والتحاج في آيات كثيرة، فالجدل ومشتقاته ورد إحدى وعشرين مرة، والتحاج ورد ثلاث عشرة مرة، والمراء ثمان عشرة مرة.

وإذا أُطلقت هذه المصطلحات فإنها تشير إلى المعنى المذموم في الجدل والمراء، كقوله تعالى: ((أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِي حَاجَّ إِبْرَاهِيمَ فِي رَبِّهِ)) [البقرة:258].

وقوله: ((وَالَّذِينَ يُحَاجُّونَ فِي اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مَا اسْتُجِيبَ لَهُ حُجَّتُهُمْ دَاحِضَةٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ)) [الشورى:16].

وقوله: ((أَلا إِنَّ الَّذِينَ يُمَارُونَ فِي السَّاعَةِ لَفِي ضَلالٍ بَعِيدٍ)) [الشورى:18].

وقوله: ((وَجَادَلُوا بِالْبَاطِلِ لِيُدْحِضُوا بِهِ الْحَقَّ)) [غافر:5].

وقد وردت أحاديث تذم الجدال والمراء، منها قوله ص: (أنا زعيم ببيت في ربض الجنة لمن ترك المراء وإن كان محقًا)([25]).

وقوله صلى الله عليه وسلم: (ما ضل قوم بعد هدى كانوا عليه إلا أوتوا الجدل)([26]).

وقال الحسن البصري، رحمه الله: (إياكم والمراء؛ فإنها ساعة جهل العالم، وبها يبتغي الشيطان زلته).

وإنما نهي عنه لما يؤدي إليه من إثارة الضغائن والأحقاد، ويوغر الصدور بين المتحاورين، وهذا هو المراء والجدل المذموم.

وأما المراء والجدل المحمود فقد قيده القرآن بالتي هي أحسن؛ ليميزه عن الجدل المذموم، وفي ذلك إشارة إلى إباحته والندب إليه إذا قيد بهذا القيد.

قال تعالى: ((وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ)) [النحل:125].

وقال تعالى: ((وَلا تُجَادِلُوا أَهْلَ الْكِتَابِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ)) [العنكبوت:46].

ويقرر ابن القيم رحمه الله مشروعية مناظرة أهل الكتاب ووجوبها في أحوال، وذلك عند إيراده للفوائد المستقاة من قصة قدوم وفد نجران عليه صلى الله عليه وسلم، فيقول: «ومنها: جواز مجادلة أهل الكتاب ومناظرتهم، بل استحباب ذلك بل وجوبه إذا ظهرت مصلحته من إسلام من يرجى إسلامه منهم، وإقامة الحجة عليهم، ولا يهرب من مجادلتهم إلا عاجز عن إقامة الحجة، فليولِّ ذلك إلى أهله، وليخلِ بين المطي وحاديها، والقوس وباريها»([27]).

فإذا كان هذا حكم مناظرة أهل الكتاب، فمن باب أولى أن يكون الحكم كذلك في المخالفين لأهل السنة والجماعة.

وهناك أساليب شرعية في الحوار والمناقشة والعرض يجب الالتزام بها حتى يكون الحوار والجدال ممدوحًا، ويمكن بيان هذا بما يلي:

1- أن يكون قصدنا وغايتنا هداية المخالف، وتأليف قلبه لا تنفيره، وهذا لا يتم إلا بإخلاص القصد، كما أوضح ذلك شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله: «وهكذا الرد على أهل البدع من الرافضة وغيرهم، إن لم يقصد منه بيان الحق وهدي الخلق ورحمتهم والإحسان إليهم لم يكن عمله صالحًا، وإذا غلظ في ذم بدعة أو معصية، كان قصده بيان ما فيها من الفساد، ليحذر العباد كما في نصوص الوعيد وغيرها، وقد يهجر الرجل عقوبة وتعزيرًا، والمقصود بذلك ردعه وردع أمثاله للرحمة والإحسان، لا للتشفي والانتقام»([28]).

2- استعمال القول اللين، والعبارات الحسنة، تنفيذًا لقوله تعالى: ((فَقُولا لَهُ قَوْلًا لَيِّنًا لَعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَى)) [طه:44]، فالله يأمر موسى وهارون رضي الله عنه أن يستخدما اللين في القول مع فرعون؛ لأن ذلك أدعى إلى تذكرته وخشيته، وأقرب إلى انتفاعه وهدايته.

وهذه هي طبيعة النفس البشرية تنجذب إلى القول اللين، ويسهل قيادها إلى الحق بذلك، أما مع الجفاء والغلظة والشدة في العبارات فلا يجنى إلا النفرة والفتور وإيغار الصدور وانغلاق القلب عن سماع الحق والهدى([29]).

ومما يؤيد هذا ما ذكره الشاطبي نقلًا عن أبي حامد الغزالي، رحمهما الله، حيث يؤكد أن العنف في الرد على المخالفين وأصحاب المقالات الباطلة يؤدي إلى معاندتهم وتمسكهم بباطلهم، قال: «أكثر الجهالات إنما رسخت في قلوب العوام بتعصب جهلة أهل الحق، أظهروا الحق في معرض التحدِّي والإدلال، ونظروا إلى ضعفاء الخصوم بعين التحقير والازدراء، فثارت من بواطنهم دواعي المعاندة والمخالفة، ورسخت في قلوبهم الاعتقادات الباطلة، وتعذر على العلماء المتلطفين محوها مع ظهور فسادها»([30]).

فانظر إلى آثار العنف والشدة، وما تحدثه من تمسك أهل الباطل بباطلهم ونفرتهم عن الحق وأهله، وصدق الله في قوله لموسى حينما بعثه وأخاه إلى فرعون، فقال لهما: ((فَقُولا لَهُ قَوْلًا لَيِّنًا لَعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَى)) [طه:44].

يقول شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله: «(فصل) وإذا كان اليهودي أو النصراني خبيرًا بالطب ثقة عند الإنسان، جاز له أن يستطبه...» إلى أن قال رحمه الله: «وإذا وجد طبيبًا مسلمًا فهو أولى، وإن لم يجد إلا كافرًا فله ذلك، وإذا خاطبه بالتي هي أحسن كان حسنًا»([31]).

فعلى المحاور والمجادل أن يتحلى بأخلاق الداعية من التلطف بالقول، واستعمال العبارات التي تفتح قلب المخالف، والابتعاد عن احتقاره أو تحديه، وأن يكلمه بروح الناصح المشفق المخلص.

وقد أشار ابن الوزير إلى ذلك فقال: «الكلام في المحاضرات والمراسلات والمناظرات والمحاورات وإن تفاوتت مراتبه، وطالت مساحبه، وتباينت تراكيبه، وتنوعت أساليبه، فمسالكه المستجادة أربعة مسالك، ولا يليق التعدي إلى وراء ذلك:

المسلك الأول: الدعاء إلى الحق بالحكمة البرهانية والأدلة القطعية، وهي أجل المراتب وأرفعها وأقطعها للتشعيب وأنفعها..»([32]).

وذكر مسلك الجدلية، والخطابية، والوعظية، وقسم المسلك الأخير إلى نوعين: التأليف والترغيب، والتخويف والترهيب.

ثم تحدث عن الأول فقال: «أما النوع الأول: وهو نوع التأليف والترغيب، فهو الدعاء إلى الحق بالملاطفة وضرب الأمثال وحسن الخلق ولين القول وحسن التصرف في جذب القلوب وتمييل النفوس..»([33]).

ثم ذكر صورًا من استعمال الرسول صلى الله عليه وسلم اللين والتيسير والترغيب، مثل نهيه صلى الله عليه وسلم لأصحابه عن انتهار الأعرابي الذي بال في ناحية من المسجد وقوله: (إن منكم منفرين)([34])، ومع الذي وقع على زوجته في رمضان، والمقرين بالزنى، وكذلك مع اليهود حينما قالوا له: (السام عليكم)، فلم يلعن أحدًا ولا شتمه بل نهى عن شتمهم ولا عبس في وجه أحد منهم، ولا انتهره؛ إيناسًا للقلوب وتأليفًا وتنشيطًا للنفوس وترغيبًا.

ثم قال: «فجدير بمن انتصب في منصب الفتيا أو ترقى إلى مرتبة التدريس وتهيأ للرد على الجاهلين، والدعاء إلى سبيل رب العالمين، أن يكون مقتفيًا لرسوله صلى الله عليه وسلم عاملًا بما قال الله من الدعاء إلى سبيله بالحكمة والموعظة الحسنة»([35]).

وبين رحمه الله متى تستعمل الشدة في الإنكار والزجر والتخويف، وأن هناك شروطًا وقيودًا لاستعمال الشدة فقال: «واعلم أن للزجر والتخويف بالألفاظ الغليظة شروطًا أربعة:

شرطين في الإباحة وهما: أن لا يكون المزجور محقًا في قوله أو فعله، وأن لا يكون الزاجر كاذبًا في قوله، فلا يقول لمن ارتكب مكروهًا: يا عاصي، ولا لمن ارتكب ذنبًا لا يعلم كبره: يا فاسق، ولا لصاحب الفسق من المسلمين: يا كافر ونحو ذلك.

وشرطين في الندب، وهما: أن يظن المتكلم أن الشدة أقرب إلى قبول الخصم للحق، أو إلى وضوح الدليل عليه، وأن يفعل ذلك بنية صحيحة، ولا يفعله لمجرد داعية الطبيعة».

وأشار إلى أن استعمال الشدة إنما يكون في بعض المواضع القليلة، وأن الغالب على هدي المرسلين والمصلحين هو جانب اللين والحكمة، قال رحمه الله: «ولا شك أن صفة اللطف والرفق والرحمة هي الغالب القوي في الكتب السماوية، والأحوال النبوية، ومن ثم تمدح الله تعالى بأنه وسع كل شيء رحمة وعلمًا، وبأن رحمة الله سبحانه وسعت كل شيء، وليس في وعده لأهل الصلاح بكتابتها التي هي بمعنى إيجابها لهم ما ينفي سعتها لغيرهم([36])، بل هي لهم واجبة ولغيرهم واسعة»([37]).

ولا يعني ذلك المداهنة وإخفاء الحق أو تحسين الباطل أو الرضا بالبدعة، وإنما المقصود الحرص على هداية المخالف ورجوعه إلى الحق، وهذه الثمرة لا تكون بالفظاظة والشدة، قال تعالى: ((وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ)) [آل عمران:159]، وقال عباد بن خواص في رسالته لأهل العلم، بعد أن بيَّن خطر البدعة، ونعى على المخالفين وضلالهم بترك سنة الرسول ص في كلام طويل: «ولا تعيبوا البدع تزينًا بعيبها؛ فإن فساد أهل البدع ليس بزائد في صلاحكم، ولا تعيبوها بغيًا على أهلها؛ فإن البغي من فساد أنفسكم، وليس ينبغي للمطبِّب أن يداوي المرضى بما يبرئهم ويمرضه، فإنه إذا مرض اشتغل بمرضه عن مداواتهم، ولكن ينبغي أن يلتمس لنفسه الصحة ليقوى بها على علاج المرضى، فليكن أمركم فيما تنكرون على إخوانكم نظرًا منكم لأنفسكم، ونصيحة منكم لربكم، وشفقة منكم على إخوانكم، وأن تكونوا مع ذلك بعيوب أنفسكم أعنى منكم بعيوب غيركم»([38]).

يقول الشيخ الدكتور عبد العزيز بن محمد آل عبد اللطيف: «كان الرد على المخالف يأخذ مسلكًا دعويًا يراد به دعوة المخالف إلى اتباع الحق والدليل، مع رحمته والإحسان إليه.

ومن ذلك قصة الشيخ أحمد بن عيسى (ت:1319هـ) مع التاجر التلمساني، كما حكاها الشيخ محمد نصيف قائلًا:

"كان الشيخ أحمد ابن عيسى يشتري الأقمشة من جدة من عبد القادر التلمساني أحد تجار جدة بمبلغ ألف جنيه ذهبًا، فيدفع له منها أربعمائة، ويقسط عليه الباقي، وآخر قسط يحل ويستلم التلمساني إذا جاء إلى مكة للحج من كل عام، ثم يبتدئون من أول العام بعقد جديد، ودام التعامل بينهما زمنًا طويلًا، وكان الشيخ أحمد بن عيسى يأتي بالأقساط في موعدها المحدد لا يتخلف عنه ولا يماطل في أداء حقه، فقال له التلمساني: إني عاملت الناس أكثر من أربعين عامًا فما وجدت أحسن من التعامل معك - يا وهابي- فيظهر أن ما شاع عنكم يا أهل نجد مبالغ فيه من خصومكم السياسيين. فسأله الشيخ أن يبين له هذه الشائعات، فقال: إنهم يقولون: إنكم لا تصلون على النبي صلى الله عليه وسلم ولا تحبونه. فأجاب الشيخ أحمد بقوله: سبحانك هذا بهتان عظيم!!

إن عقيدتنا ومذهبنا أن من لم يصل على النبي صلى الله عليه وسلم في التشهد الأخير فصلاته باطلة، ومن لا يحبه فهو كافر، وإنما الذي ننكره نحن- أهل نجد- هو الغلو الذي نهى النبي صلى الله عليه وسلم عنه كما ننكر الاستعانة والاستغاثة بالأموات، ونصرف ذلك لله وحده.

ثم يقول الشيخ محمد بن نصيف: قال الشيخ التلمساني: فاستمر النقاش بيني وبينه في توحيد العبادة ثلاثة أيام حتى شرح الله صدري للعقيدة السلفية، أما توحيد الأسماء والصفات الذي قرأته في الجامع الأزهر فهو عقيدة الأشاعرة وكتب الكلام مثل السنسوية وأم البراهين وشرح الجوهرة وغيرها، فلهذا دام النقاش فيه بيني وبين الشيخ ابن عيسى خمسة عشر يومًا، بعدها اعتنقت مذهب السلف، فعلمت أن مذهب السلف أسلم وأعلم وأحكم بفضل الله نعالى، ثم بحكمة وعلم الشيخ أحمد بن عيسى.

ثم إن الشيخ التلمساني أخذ يطبع كتب السلف.. وصار من دعاة عقيدة السلف. قال الشيخ محمد نصيف: فهداني الله إلى عقيدة السلف بواسطة الشيخ عبد القادر التلمساني، فالحمد لله على توفيقه"»([39]).

وانظر القصة بكاملها في كتاب: علماء نجد للبسام (1/156–158)

وإن المتتبع لقضية الحوار والجدال بالتي هي أحسن في القرآن الكريم تتضح له بعض القواعد المهمة التي تؤدي إلى الخروج بنتائج إيجابية من الحوار([40]).

ومن أهم هذه القواعد ما يلي:

1- البدء من نقطة التقاء([41]):

كل إنسان ولو كان كافرًا أو مخالفًا لا يعدم نقطة خير في قلبه، يبدأ بها المسلم فيدخل منها، ثم ينميها، لذا فليُبتدأ الحوار بالأمور المسلمة بين المتحاورين والمتفق عليها، ومما يدل على ذلك قوله تعالى: ((وَقُولُوا آمَنَّا بِالَّذِي أُنْزِلَ إِلَيْنَا وَأُنْزِلَ إِلَيْكُمْ وَإِلَهُنَا وَإِلَهُكُمْ وَاحِدٌ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ)) [العنكبوت:46].

وقوله تعالى: ((قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْا إِلَى كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ أَلَّا نَعْبُدَ إِلَّا اللَّهَ وَلا نُشْرِكَ بِهِ شَيْئًا وَلا يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضًا أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ)) [آل عمران:64].

ولا شك أن هناك عدة نقاط بيننا وبين أصحاب البدع المفسقة غير المكفرة، بل هناك نقاط التقاء مع أصحاب البدع المكفرة، فليبدأ من هذه الأرضية المشتركة.

2- محاولة إثارة العاطفة، وإظهار الخوف عليهم، ومحض النصيحة لهم([42]):

ليس المقصود من الحوار تبكيت الخصم وإلجامه وإحراجه، وإظهار الأستاذية والتفوق، وتسفيه رأيه أمام الآخرين، وإنما المقصود هدايته إلى الحق وجذبه إليه، ولهذا كان الرسل والأنبياء يظهرون شفقتهم على قومهم والحرص على ما فيه خير لهم، وهذا ما يظهر في دعوتهم لقومهم.

قال تعالى عن نوح عليه السلام: ((لَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا إِلَى قَوْمِهِ فَقَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ إِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ)) [الأعراف:59].

وقال تعالى عن شعيب عليه السلام: ((قَالَ يَا قَوْمِ أَرَأَيْتُمْ إِنْ كُنتُ عَلَى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّي وَرَزَقَنِي مِنْهُ رِزْقًا حَسَنًا وَمَا أُرِيدُ أَنْ أُخَالِفَكُمْ إِلَى مَا أَنْهَاكُمْ عَنْهُ إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الإِصْلاحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ * وَيَا قَوْمِ لا يَجْرِمَنَّكُمْ شِقَاقِي أَنْ يُصِيبَكُمْ مِثْلُ مَا أَصَابَ قَوْمَ نُوحٍ أَوْ قَوْمَ هُودٍ أَوْ قَوْمَ صَالِحٍ وَمَا قَوْمُ لُوطٍ مِنْكُمْ بِبَعِيدٍ)) [هود:88].

وما أجمل محاورة إبراهيم عليه السلام لأبيه، قال تعالى: ((يَا أَبَتِ إِنِّي قَدْ جَاءَنِي مِنَ الْعِلْمِ مَا لَمْ يَأْتِكَ فَاتَّبِعْنِي أَهْدِكَ صِرَاطًا سَوِيًّا * يَا أَبَتِ لا تَعْبُدِ الشَّيْطَانَ إِنَّ الشَّيْطَانَ كَانَ لِلرَّحْمَنِ عَصِيًّا * يَا أَبَتِ إِنِّي أَخَافُ أَنْ يَمَسَّكَ عَذَابٌ مِنَ الرَّحْمَنِ فَتَكُونَ لِلشَّيْطَانِ وَلِيًّا)) [مريم:43].

وتأمل كلام مؤمن آل فرعون: ((وَقَالَ الَّذِي آمَنَ يَا قَوْمِ اتَّبِعُونِ أَهْدِكُمْ سَبِيلَ الرَّشَادِ * يَا قَوْمِ إِنَّمَا هَذِهِ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا مَتَاعٌ وَإِنَّ الآخِرَةَ هِيَ دَارُ الْقَرَارِ)) [غافر:39].

والأمثلة كثيرة جدًا، فليحرص أهل السنة والجماعة على اتباع هذه القاعدة القرآنية ليستميلوا قلوب المخالفين بإظهار الحرص عليهم، والخوف عليهم، ومحض النصيحة لهم، عند ذلك ستكون النتيجة إيجابية، وسوف يبدأ المخالف يراجع نفسه ورأيه، وهذه بداية الهداية بإذن الله.

3- التذكير بنعمة الله، والتنبيه إلى آيات الله في الأنفس والآفاق([43]):

قد يغفل المحاور عن استشعار نعم الله وفضل الله عليه، فيغتر بعقله وفهمه ورأيه، وعند ذلك يكون تذكيره بالله وبفضل الله وآلاء الله موقظًا له من تلك الغفلة، وفي ذلك تهيئة له لقبول الحق والإذعان للصواب.

وقد أوضح القرآن هذه القاعدة من خلال دعوة الرسل لأقوامهم، قال تعالى على لسان نبيه صالح عليه السلام: ((وَاذْكُرُوا إِذْ جَعَلَكُمْ خُلَفَاءَ مِنْ بَعْدِ عَادٍ وَبَوَّأَكُمْ فِي الأَرْضِ تَتَّخِذُونَ مِنْ سُهُولِهَا قُصُورًا وَتَنْحِتُونَ الْجِبَالَ بُيُوتًا فَاذْكُرُوا آلاءَ اللَّهِ وَلا تَعْثَوْا فِي الأَرْضِ مُفْسِدِينَ)) [الأعراف:69].

وقال تعالى: ((قُلْ لِمَنِ الأَرْضُ وَمَنْ فِيهَا إِنْ كُنتُمْ تَعْلَمُونَ * سَيَقُولُونَ لِلَّهِ قُلْ أَفَلا تَذَكَّرُونَ * قُلْ مَنْ رَبُّ السَّمَوَاتِ السَّبْعِ وَرَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ * سَيَقُولُونَ لِلَّهِ قُلْ أَفَلا تَتَّقُونَ * قُلْ مَنْ بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ يُجِيرُ وَلا يُجَارُ عَلَيْهِ إِنْ كُنتُمْ تَعْلَمُونَ * سَيَقُولُونَ لِلَّهِ قُلْ فَأَنَّى تُسْحَرُونَ)) [المؤمنون:84].

وقال تعالى: ((قُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ وَسَلامٌ عَلَى عِبَادِهِ الَّذِينَ اصْطَفَى آللَّهُ خَيْرٌ أَمَّا يُشْرِكُونَ * أَمَّنْ خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ وَأَنزَلَ لَكُمْ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَنْبَتْنَا بِهِ حَدَائِقَ ذَاتَ بَهْجَةٍ مَا كَانَ لَكُمْ أَنْ تُنْبِتُوا شَجَرَهَا أَئِلَهٌ مَعَ اللَّهِ بَلْ هُمْ قَوْمٌ يَعْدِلُونَ)) [النمل:59].

4- الدعوة إلى إعمال النظر والفكر، والانعتاق من تقليد الآباء والزعماء:

إن صاحب الفكر المنحرف يظل حبيسًا في دائرة الفكرة التي آمن بها ونشأ عليها، مُبتعدًا عن إعمال عقله وفكره فيما يعتقده أو يؤمن به، ولو أعمل عقله وفكره لاكتشف ما عليه من الباطل، وحينئذٍ يسهل قياده إلى الحق.

وهذا أسلوب القرآن مع الخصوم، قال تعالى: ((قُلْ إِنَّمَا أَعِظُكُمْ بِوَاحِدَةٍ أَنْ تَقُومُوا لِلَّهِ مَثْنَى وَفُرَادَى ثُمَّ تَتَفَكَّرُوا)) [سبأ:46].

5- عرض منهج أهل السنة والجماعة مؤيدًا بالأدلة الشرعية، والبراهين العقلية، والأنوار الروحانية، ودعوته إليه قبل التعرض إلى بيان ما عليه من الباطل والبدعة، من غير إثارة أو استفزاز له، والبعد قدر الإمكان عن الأسماء والمصطلحات المثيرة، والتركيز على الحقائق.

وقد بين هذه القاعدة الشيخ محمد العثيمين رحمه الله مستدلًا بقوله تعالى: ((قُلْ إِنَّمَا أَعِظُكُمْ بِوَاحِدَةٍ أَنْ تَقُومُوا لِلَّهِ مَثْنَى وَفُرَادَى ثُمَّ تَتَفَكَّرُوا)) [سبأ:46].

فقال: «وهكذا أيضًا صاحب البدعة من المسلمين لا نهاجمه ببيان بدعته وذمها؛ ولكن نبين له السنة أولًا، ثم إذا استقرت السنة في نفسه سهل علينا أن نبين معايب بدعته، كما لو دعونا مثلًا رافضيًا من الرافضة، كوننا نهاجمه من الأول ونقول: أنت تسب الصحابة، وأنت تلعن أبا بكر وعمر، وأنت تقول: القرآن فيه نقص، وأنت تقول: أولياؤنا أفضل من الأنبياء، وأنت تقول: أن أئمتنا يديرون الكون وما أشبه ذلك، هذا سينفر؛ لأنه يعتقد أن هذا دين، ومعلوم أن سب دين الإنسان لا يطيقه إنسان.

ولكن نبين له أولًا الحق، فإذا استقر في نفسه بعد ذلك نبين له ما كان عليه من قبل، وما يلحق به من ذم.

ولهذا لا نرى الآن ما يفعله بعض الناس بالنسبة للرافضة من العنف والإساءة إليهم قبل أن يدعوهم للحق؛ لأن بعض الناس إذا رأى هذه البدع التي يبتدعونها في الصلاة، ولا يسجدون إلا على شيء أصله من الأرض، وما أشبه ذلك ربما يركلها برجله، أساء إلى هذا الرجل، هذا الرجل عامي، ويعتقد أن هذا دين، وأن الصلاة لا تصح إلى على شيء من الأرض، فإذا فعلت به هكذا، كيف تريد أن يقبل منك»([44]).

6- تلمس مواطن الخير ومنابع النور بين ظلمات الجهل والبعد عن الحق عند المخالف، مع عدم التعجل، فمن أكثر الطرق يوشك أن يفتح له([45]).

ثالثًا: تأليف الكتب والرسائل والمطويات:

وإلقاء الدروس والمحاضرات، وعقد اللقاءات والندوات في الرد على أهل الأهواء والبدع، وبيان خطئهم وزللهم وبعدهم عن الصواب الموافق للكتاب وصحيح السنة، وذلك بالأسلوب السهل المبسط القريب من فهم العامة، والمقرون بالشفقة عليهم ورحمتهم والنصح لهم.

ولنتأمل- أخي القارئ الكريم- قول ابن حجر الهيتمي في مقدمة كتابه الصواعق المحرقة؛ فإنه عندما كان يرجو هداية بعض أهل البدع بقراءة هذا الكتاب أجاب إلى ذلك، غير متوانٍ ولا متخاذل، يقول رحمه الله: «أما بعد؛ فإني سئلت قديمًا في تأليف كتاب يبين حقية خلافة الصديق، وإمارة ابن الخطاب رضي الله عنهما، فأجبت إلى ذلك مسارعة في خدمة هذا الجناب، فجاء بحمد الله أنموذجًا لطيفًا، ومنهاجًا شريفا، ومسلكًا منيفًا، ثم سئلت قديمًا في إقرائه في رمضان سنة خمسين وتسعمائة بالمسجد الحرام؛ لكثرة الشيعة والرافضة ونحوهما الآن بمكة المشرفة، أشرف بلاد الإسلام، فأجبت إلى ذلك رجاء لهداية بعض من زل قدمه عن أوضح المسالك»([46]).

رابعاً: توجيه المحاضرات والكلمات لمن تصله من المخالفين يقينًا:

كالمعلم لتلاميذه، والرئيس لمرؤوسيه، والطبيب لمرضاه، والجار لجاره، وزميل العمل لزميله، وصاحب السفر لصاحبه... إلخ، وذلك بالنصح لهم وتوجيههم ومخاطبتهم بالعقل والنقل، وكم من حالات هداية كانت على هذا السبيل وبسبب هذا النهج.

خامسًا: الهدية:

إهداؤهم ما يفيدهم من علم نافع يبصرهم بالصواب، ويبين لهم خطأ بدعتهم، وما أسهل هذا على كل أحد يريد هداية الناس والنصح لهم! فتقديم كتيب صغير أو شريط نافع، أو دلالة على موقع في الإنترنت، لهو كفيل بتغيير حال المدعوين إن أراد الله هدايتهم وشرح صدورهم للحق والسنة.

مع إهداء من تتوسم فيه الخير وتعرف فيه الأخلاق الحميدة والسجايا النبيلة هدية عامة في بدء دعوته، لعلها تفتح آفاقًا وطريقًا لقلبه، فيقبل ما بعدها من النصح والإرشاد والحق.

سادسًا: المشاركة في مواقع الحوار في الشبكة العنكبوتية:

واستخدامها منبر دعوة للحق، والرد على شبهات المخالفين، والذب عن معتقدات أهل السنة، ولكن هذا يحتاج من صاحبه قدمًا راسخة في العلم على الأقل فيما يدعو إليه، وخبرة كافية في الحوار ومواطن الكر والفر فيه، كما يحتاج صاحبه لخُلقٍ عال وسجايا نبيلة، تدعو المحاور له لقبول الحق الذي عنده حال ظهوره، وعليه التنبه لمسالك المخالفين وطرائقهم الملتوية في الحيدة عن الحوار.

سابعًا: التأثير المباشر لمن ملك الأهلية من خلال شاشات الرائي والفضائيات:

ببث الاعتقاد الصحيح، وتوجيه كلمات النصح والإرشاد، فلعلها تصادف توفيقًا من الله في قلب مستمع لها، فتقوده للهداية والتوفيق في الدنيا والآخرة.

ثامنًا: استخدام البريد الإلكتروني:

فعن طريق البريد الإلكتروني تستطيع وبضغطة زر إيصال الكم الهائل من المعلومات إلى زميل لك في العمل، أو في السفر، أو جار قريب... إلخ، فتكون بهذا قد دللته إلى الخير وبدون عناء ولا تكلف ((فَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّمَا عَلَيْكَ الْبَلاغُ الْمُبِينُ)) [النحل:82].

تاسعًا: استخدام رسائل الجوال:

فبإمكانك مراسلة من تعرف من المخالفين كذلك من خلال رسائل الجوال القصيرة، بكلمات تذكير، أو آيات من كتاب الله، أو حجج عقلية قصيرة تهدم أساسًا كبيرًا في تصوره، وكم هي مفتاحًا للخير غفل عنها كثير من الناس!

عاشرًا: الدعوة إلى حضور الدورات العلمية والندوات الثقافية:

دعوةُ من تعرف منهم لحضور دورة علمية قريبة منه، أو ندوة ثقافية فيها إرشاد إلى مهارة تقود الشخص لباب خير وهداية، والله تعالى يقول لرسوله صلى الله عليه وسلم: ((لِتُنذِرَ قَوْمًا مَا أَتَاهُمْ مِنْ نَذِيرٍ مِنْ قَبْلِكَ لَعَلَّهُمْ يَهْتَدُونَ)) [السجدة:3].

حادي عشر: الإحسان إليهم:

قضاء حوائج من تعرف منهم، والشفاعة لهم تفتح أبوابًا وتمد جسورًا للحوار معهم والوصول إلى قلوبهم، فالإحسان آسر للقلوب.

وفي الختام نذكرك أخي الداعية إلى الله بالوصايا التالية:

1- قبل كل شيء تأكد أن نجاح كل دعوة مرتبط ارتباطًا كليًا بصدق القصد وإخلاص النية كما لا يخفى عليك.

2- الجأ إلى الله تعالى في كل وقت وحين، واطلب منه التأييد والعون، وأن يفتح لك قلوب المدعوين.

3- استعن بالصبر والصلاة؛ فهما مفتاح كل باب مغلق.

4- عليك بالاستخارة، وطلب المشورة ممن سبقك في هذا العمل، وله قدم سبق فيه، فعنده ما يصلح لك، وبأخصر الطرق.

5- أكثر من التأمل والتفكر في أساليب عقلية ومنطقية لإقناع الآخر([47]).

تنبيه: هناك أمور لا بد من التنبيه عليها لضمان التأثير على المخالفين لنا، وهي:

أولًا: أن الحديث عن البدعة في العموم يختلف عن الكلام مع المخالفين أو المخالف.

ففي الحديث عن البدعة لا بد من ذم البدعة، والتحذير منها، وبيان خطرها على الدين.

أما إذا كان الحديث موجهًا إلى مخالف- أو مجموعة من المخالفين- فإنه قد يحتاج([48]) إلى تأليف قلبه ودعوته إلى منهج أهل السنة، فيراعى في ذلك الرفق واللين وعبارات التأليف وعدم التعيير.

وهذا ما سار عليه شيخ الإسلام، فهو في حديثه عن البدعة يذمها ويُبيِّن خطرها، أما حينما يتحدث مع مخالف، أو يتعامل معه فإنه يتبع أسلوب اللين والرفق والتأليف، ولعل أوضح مثال، رسالته إلى ابن نصر المنبجي المذكورة سابقًا.

وكذلك ما كتبه في صدر رسالته إلى المنسوبين إلى التشيع وغيرهم في العراق ومشهد المنتظر، حيث قال رحمه الله: «وكان سبب هذه المواصلة أن بعض الإخوان قدم بورقة فيها ذكر النبي صلى الله عليه وسلم وذكر سادة أهل البيت، وقد أجرى فيها ذكر النذور لمشهد المنتظر، فخوطب من فضائل أهل البيت وحقوقهم بما سرَّ قلبه وشرح صدره، وكان ما ذكر بعض الواجب؛ فإن الكلام في هذا طويل... إلخ»([49]).

ولعل هذا أيضًا ما يشير إليه قوله تعالى: ((أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَاهُ بَلْ هُوَ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ لِتُنذِرَ قَوْمًا مَا أَتَاهُمْ مِنْ نَذِيرٍ مِنْ قَبْلِكَ لَعَلَّهُمْ يَهْتَدُونَ)) [السجدة:3]، فإذا كان ذلك مطلوبًا مع اليهود والنصارى فمن باب أولى أن يكون مع المخالفين الذين لم يخرجوا عن الإسلام...

([1]) روى هذه الحادثة الإمام أحمد في مسنده، وقال أحمد شاكر: إسناده صحيح: 2/656-657، ورواها الهيثمي في الزوائد: 6/240، وقال: رواه الطبراني وأحمد ببعضه ورجالهما رجال الصحيح، ورواها ابن عبد البر في جامع بيان العلم وفضله: 2/104.

([2]) انظر: تهذيب التهذيب: 10/341.

([3]) شرح السنة، للبغوي: 10/235.

([4]) العواصم والقواصم: (1/220).

([5]) مجموع الفتاوى: 35/201.

([6]) معالم الانطلاقة الكبرى، (ص:148).

([7]) مجموع الفتاوى: 28/ 52-57.

([8]) البداية والنهاية: 14/ 54-55، والعقود الدرية، ص187.

([9]) العقود الدرية، ص187.

([10]) العقود الدرية (ص:189-190).

([11]) أبو داود (2/612) (4611).

([12]) منهاج السنة النبوية: (2/342).

([13]) مدارج السالكين: (3/522).

([14]) المرجع السابق: (2/39).

([15]) طريق الهجرتين وباب السعادتين، (ص:378).

([16]) رواه أحمد: 6/371-372، والحاكم: (4/297)، وصححه، ووافقه الذهبي، وصححه الألباني، السلسلة الصحيحة، رقم (136).

([17]) تيسير الكريم الرحمن في تفسير كلام المنان: (1/465).

([18]) مجموع الفتاوى: 12/388-389.

([19]) مجموع الفتاوى: (12/389).

([20]) مجموعة الرسائل والمسائل: (1/169-189).

([21]) معالم الانطلاقة الكبرى، ص149.

([22]) حقيقة البدعة وأحكامها: 2/372.

([23]) طريق الهجرتين، (ص:386-387).

([24]) مجموع الفتاوى: (28/212).

([25]) أبو داود (2/668) (4800).

([26]) تقدم تخريجه.

([27]) زاد المعاد (3/549).

([28]) منهاج السنة النبوية: (5/239).

([29]) إنصاف أهل السنة (ص:258-259).

([30]) الاعتصام: 2/230.

([31]) مختصر الفتاوى المصرية (ص:659).

([32]) العواصم والقواصم: (1/228).

([33]) العواصم والقواصم: (1/229).

([34]) البخاري (1/248، 249) (5/2265) (670، 672، 5759)، مسلم (1/240) (466).

([35]) العواصم والقواصم: (1/262).

([36]) يقصد بذلك قوله سبحانه وتعالى: (( وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ فَسَأَكْتُبُهَا لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَالَّذِينَ هُمْ بِآيَاتِنَا يُؤْمِنُونَ ))[الأعراف:156]^ ، فهذه الآية وعد للصالحين برحمة الله وكتابتها لهم ولا يعني ذلك الوعد خروج غير الصالحين من الفاسقين من رحمة الله.

([37]) العواصم والقواصم: (1/172).

([38]) سنن الدارمي: 1/129.

([39]) مقالات في عقيدة أهل السنة والجماعة (ص:49).

([40]) انظر: آداب الحوار والمناظرة، د. علي جريشة (ص: 79).

([41]) المرجع السابق، ص80.

([42]) آداب الحوار والمناظرة، ص81.

([43]) آداب الحوار والمناظرة، ص79.

([44]) نقلًا عن شريط بعنوان: لقاء مع مديري توعية الجاليات في القصيم، يوم الخميس (19/6/1414هـ).

([45]) كيف تدعو (ص:4) بتصرف يسير.

([46]) الصواعق المحرقة (1/5).

([47]) كيف تدعو (ص:63).

([48]) وإن كانت المصلحة في بعض الأحيان قد تقتضي الشدة؛ فالأمر في حقيقته راجع إلى المصالح الشرعية، فمتى ما كان الأمر يقتضي التأليف كان هو الواجب، ومتى كان يقتضي الشدة فهي. إلا أن الغالب هو التأليف واللين والحكمة، كما أشار إلى ذلك العلامة ابن الوزير رحمه الله. [انظر: (ص:225) من هذا الكتاب].

([49]) جامع المسائل لابن تيمية "المجموعة الثالثة" (ص:96).





الوسائل المعينة على دعوة المخالفين Mmgoj3elxdk1zzzoyyd2
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
https://awttany.ahlamontada.com
 
الوسائل المعينة على دعوة المخالفين
الرجوع الى أعلى الصفحة 
صفحة 1 من اصل 1

صلاحيات هذا المنتدى:لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى
 :: القسم الدعوى :: الدعوة إلى الله-
انتقل الى: